انتهت مرحلة الاستعمار سنة 1956، فصار المشهد العمراني بأصيلا ينتظم ضمن ثلاث مجالات : 1 المدينة القديمة، 2 الحي الإسباني، 3 أحياء المغاربة خارج الأسوار. سنة 1949 كان عدد السكان قد قارب 18000نسمة، تُلْتُهم يقطن الحي العتيق / المدينة ـ5800 نسمة. يرجع هذا النمو السريع إلى استقطاب أصيلا لعدد كبير من المهاجرين بما فيهم الجالية الإسبانية.
يهمنا في هذا السياق الحديث عن المدينة القديمة:
نعود بالأحداث الى سنة 1692 ، و هي السنة التي اخلى الاسبان سبيل أصيلا بالمرة. (قبل ذلك كانت في يد البرتغال) . قرنين من الوجود الإبيري كانا كافييْن و أكثر، لتتحول المدينة الى قلعة مسيحية تحت اسم Villa de la Plata ـ مُديْنة الفضة.
شيئا فشيئا بدأت الحياة تدب و تعود إلى سابق عهدها كمدينة إسلامية بخصائص مغربية: أزقة ضيق و ملْتوية، بنايات بسيطة ذات طابق أو طابقين، معمار داخلي أندلسي أنيق ـ زليج، فسيفساء، أقواس، بهو و حتى حديقة، مع توزيع للغرف حول ادْويرة أو ساحة تتوسطها نافورة أو بئر، دليل على أهمية الماء و ضرورة وُجود حيز الاستجمام و الفسحة. كل ذلك يعكس مستوى من الذوق و عناية بالجمال لدا الإنسان الأصيلي. و مما زاد في بهاء البيوت و رونقا هو اهتمام النساء بغرفة الضيافة التي كانت غالبا جوهرة الدار و مرآة لكل أسرة .
نشير إلى أن الأمن كان عاملا أساسي في الاستقرار و جلب مزيدا من أهالي القرى المجاورة مثل العقبة و تندافل و رهونة و رياينة و هوارة و الحومر و بني عروس و بني مصور و حجر النحل، و حتى من مدن مثل تطوان و وزان و العرائش و القصر الكبير و حتى الصحراء... فلا غرابة اليوم، في أن تجد الكثير من الأسر تنحدر من هاته الأماكن و لا زالت تحافظ على أهْلاتِها الجغرافية، أسماء عائلات حاضرة مثل : ( السرغيني، الرياني، الخراز، الجباري، البقالي، العدلاني، الصحراوي، البوعناني، الزكاري، الحساني، بنيعيش، اسعيد، الطليكي، آل غيلان، العيساوي، اليملاحي، و الحراق... ) فعلاقة أصيلا بالبوادي و المدن كانت كثيفة و تتم من خلال ارتباطات اجتماعية ، الزواج مثلا. أو في إطار شراكة تجارية و فلاحية و إدارية ... و نشير إلى أن كل من دواوير تندافل و العقبة و رهونة (جماعة الساحل الشمالي حاليا) كانت على تعلق متميز بأصيلا.
و بالرغم من صغر هذا المجال ـ 7 هكتارات، فقد ضمت أصيلا وقتها عددا من المؤسسات الحضرية مثل المقر السياسي أو الإداري (القصر) و المجال الاقتصادي ( الأسواق و القيسارية) و المراكز الدينية ( المسجد الكبير، جامع بن عياد، جامع الزكوري، جامع سيدي امبارك، و زواية سيدي على بن حمدوش و الزاوية الدرقاوية و العيساوية)، ثم أزقة و محلات للمهن و الصنائع. هذا بالإضافة إلى إلى عدد من الشخصيات من ذوي القانون و الشريعة و القضاء و المعرفة و العلم و الثقافة و المهن كان لهم دور كبير لضمان السير العادي و المنتظم للمدينة. (المرحوم عبد الرحيم الجباري قد أورد أسماء كثيرة منهم في كتابه أصيلا تاريخ و أعلام 1999. )
و نظرا للعلاقات الاجتماعية و المهنية و التجارية الدائمة والمتبادلة باستمرار بين مختلف الأشخاص و الأسر و التي كانت تتم عند الحمام و الفران و السوق و القيسارية و المسجد و البقال و في الزقاق و الدرب و الحومة فقد نسجت ساكنة المدينة صِلات حميمية و ودية لدرجة التشابك و الارتباط العائلي و على مستولى المدينة ككل. و يدخل في هذا الإطار اليهود – عددهم 600 نسمة سنة 1905) ـ بحيهم و بيعتهم و مقابرهم و انشطتهم المعاشية. قيل لدرجة أن رب الأسرة ـ الزوج ـ إذا رجع إلى البيت قبل أن تكون وجبة الغداء جاهز فإن الزوجة تلجأ لجارتها حتى تغْرِفْ لها نصيبا دون تردد، ناهيكم عن الاحتفالات بالزفاف و بالمولود الجديد و أيام الختان و عيد الفطر و عيد الأضحى و عيد المولد النبوي الشريف كلها كانت محطات الفرحة و الفرجة و البركة تعم المدينة و يشارك فيها الجميع بأريحية. غالبا ما كان الزقاق أو الدرب أو الحومة يحمل اسم العائلة أو الشخص الأكثر مصداقية و أهمية. بينما المجالات العملية تحمل اسم المهن المزاولة بها مثل الخرازين و القيسارية و السويقة. كل هذا و غيره من تقاليد و قيم جعل من أصيلا ـ وقتها ـ حيزا اجتماعيا و اقتصاديا محسوسا و ملموسا و مُعاشا باستمرار و بشكل مكثف.
ماضي هذه المدينة و إن توارى لازال حيا، تجده في كل درب، و في و في كل جدار، في الأسوار و شرفات المنازل أيضا، في تعرجات أزقتها، عند مداخل بيوتها، فأين ما حللت و ارتحلت تجد بصمة من هذا الغائب الحاضر و قد استعصى على النسيان. و ما يُميز هذا الفضاء ـ مهما بدا صغيرا عتيقا أو متواضعا، فلن تجد له مثيلا، سواء هنا أو هناك، و هو غير قابل للاستنساخ، و ستظل المدينة هاته العلامة المميزة لشخصية أصيلا دون مُنازع.

 

Le Site Web du Tourisme Zaîlachi 

Zaîla.com  

 

ZAILA.COMASILAH | Tous droits réservés - Mentions légales - Contact