أصيلا عبر الخرائط و الصور و التصاميم.
د. نخلي عبدالقادر 

  

التسمية .. مجمل تاريخ أصيلة
  

صحيح أن المصادر التاريخية متوفرة و متنوعة حول  ناحية أصيلة ككل، لكنها لا تسعف الباحث  في  مهمته.  بل و قد توصله الى استنتاجات مغلوطة أو  متناقضة. فالمكتوبة من هذه الروافد متفرقة عبر الأزمنة و منتشرة في عموم البحر الأبيض المتوسط و بلغات متعددة (الأغريقية و الرومانية و اللاتنية و الفينيقة و العربية و الإيبيرية  و الأنجليزية ...) أما الأثرية فهذا حديث آخر. لكن العيب المميت في هذه المصادر كونها مستنسخة، أي منقولة عن بعضها البعض، مما جعل الخطأ يتكرر، أو لنقل العيب يتوارث  بين المؤرخين. و هنا نذكر على سبيل المثال ما ذهب إليه مؤرخ المملكة عبد الوهاب بن منصور في اعتبار أصيلة هي زيليس الرومانية و من قبله مارمول كربخال (القرن 16) علما بأن المسافة بين الموقعين  تتجاوز 16كلم.  

يهمنا في هذا السياق الحديث عن مسألة التسمية. 

هل هي أصيلة بتاء مربوطة / هاء السكت؟. هل هي أصيلا التي تنتهي بلام و ألفٍ ممدودة؟ أم أزيلا بزاي  و ياء مسكونة ؟ أو زاي مكسورة في الوسط / أزِيلا ؟ 

 يفضل  المهتمون بالحقل التاريخي كتابتها على هذا النحو:  أصيلا. و إلى عهد قريب أصبحت تُكتب كالتالي: أصيلة بل و تم التأكيد على ذلك حين صار رسمها إفْرَنْجيًا، بحرفي  SS   ـ ASSILAH (ِ ASILAH سابقا). و هو رسمٌ  أصبح متداولا  إداريا  و على الخرائط و في المراسلات و التقارير بل و في المنتديات المحلية و الدولية.  فهل الأمر مرتبط بمحاولة تحويل مسار تاريخي  يكون قد مس أحد المكونات في شخصية المدينة و دون تَفَقه؟ و ما بال الإسبان يسمونها بأرثيلا ـ Arcila؟ و عند الكتابات البرتغالية  نجدها أرْزيلا ـ Arzila؟ و هل كل التسميات تعود على مُسمًا واحد؟ 

 حقيقةً ً ، المواطن يحتار و قد يرتبك في جوابه هل هو زيلاشي ـ زيلاشيون ؟ أم أصيلي ـ أصيليون؟ أم أصيلاوي ـ أصيلاويون؟ أم أصيل ـ جمع أُصَلاء؟ .  بطرحنا لهذه الإستفهامات يحسبنا البعض أننا نُحاولة تربيع الدائرة. 

 قد يتورط المتتبع لتاريخ أصيلة إذا ما سعى في البحث عن مسألة التسمية و أصلها. و ربما يدخل في دهاليز التنقيب يصعب الخروج منها و بأجوبة شافية.  يقول عبد الوهاب بن منصور على أن أصيلة "كانت تُدعى زيليس .. عاصرت قرطاج .. و يظهر أن زيليس تقلص عمرانها بسبب مزاحمة ليكسوس لها، لأن هذه كان نهرها يوفر لها المرفأ الأمين و إمكانات أخرى لا تتوفر لزيليس الواقعة مباشرة على المحيط، فاستمر تدهورها إلى أن دخل الإسلام.. فعادت المدينة إلى الظهور تحت إسم أصيلة... "(المناهل عدد 16 .1979). 

من الممكن أن يكون عبدالوهاب بن منصور قد نقل مغالطات لويس مارمول كاربخال و ليون الأفريقي (الحسن الوزاني ـ القرن 16 م) لأن  الأول يقول :" كانت المدينة تحت سيطرة القوط  و كان لهم حامية عسكرية بها حتى سنة 94 للهجرة.. و هي سنة دخول المسلمين" .   

الثاني يقول: "كانت تسمى من طرف الأفارقة أزَيْلاَ و كانت مدينة كبيرة أسسها الرومان و كانت خاضعة لقائد سبتة الذي كان تابعا للرومان..." و يضيف مارمول كاربخال على أنها (مدينة أَزَلِية و يسميها  زِيلِي و أنها من تأسيس الرومان. من  الأكيد أن هذا المؤرخ يتحدث عن زيليسZilis. لكن و في وموضع آخر يحدد موقع المدينة فيقول أنها على بعد  47 فرسخا من فاس (حوالي 240  كلم) و 7 فرسخا من مضيق جبل طارق ( 36 كلم). مضيفا أن موقع أصيلة ممتاز و أسوارها متينة معززة ببروج وفيها قصر حصين.. واضح أن كاربخال يحدثنا الآن عن أصيلة ألحالية. بمعنى آخر أن الأمور تتداخل لذا مارمور كربخال، فهو لا يُميز بين الموقعين ـ أصيلا و زيليس. 

من جهته، يحدثا أبو عبيد الله البكري (القرن11م ) عن أصل المدينة فيقول أنها "محدثة ... و هي في سهلة من الأرض و حولها رواب لطاف..." في هذا الصدد لا يمكننا الجزم بقول البكري لأنه لم يزر شمال أفريقيا قط  و الأكيد أنه نقل الكثير عن محمد ابن يوسف المعروف بابن الوراق (القرن  10م) . 

عموما تتكلم  المصادر القديمة (قبل الإسلام) عن مواقع و مدن و قلاع تعود لأهل منطقة الريف، و العيب المميت أنها لا تقدم تواريخ مضبوطة..  كرونولوجيا يحدثنا هذا التاريخ عن كون  الفينيقيون بدأوا  بإنشاء مراكز تجارية على سواحل البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، وأسسوا مُدُنا مثل تطوان ومليلة، وبعدهما طنجة في القرن الخامس قبل الميلاد  وفي وقت لاحق حل القرطاجيون كقوة عظمى بالمنطقة. بعد الحرب البونية الثالثة تغلبت روما على قرطاجة  فسادت الإمبراطورية الرومانية مجموع البحر المتوسط. هكذا أصبح الريف (نسبة لجبال الريف) جزءا من مقاطعة موريتانيا  الطنجية و عاصمتها  طنجة. في القرن الخامس للميلاد غزى الوندال / الفاندلز المنطقة. 

منطقيا لا يمكن أن يلجأ الفنيقيون و غيرهم إلى المنطقة  إلا لأطماع اقتصادية  أو لأغراض سياسية. و الحالة هاته، و كما تشهد الأركيلوجيا، أن شبه الجزية الطنجية  كانت مأهولة بالسكان و بها تجمعات حضرية مثل سبة و تطوان و زلول و لقواس و حد مدكوري و البصرة و لكسوس... فهل أصيلا كانت من بين هاته التجمعات السكنية؟ و لماذا اختلط  الأمر على المؤرخين حين اعتبروا زيليس أصيلا ؟ و لماذا لا يتجرأ أحد بالقول على أن أصيلاـ و الكثير من التجمعات الحضرية وقتها ـ كانت من تأسيس السكان الأصليين (الأفارقة ـ البربر) ؟.  و هنا لا نستبعد أن  تسمية أزيلا لها أصل بربري. يقول المؤرخ الإسباني كستيلانوس بأن كلمة أصيلا معناها في اللهجة البربرية "الجميلة" و هي تكتب بصاد في وسطها حرف الزين، و هي مشتقة من لفظة "زيل" البربرية التي تعني الجمال. (مجلة النور عدد 87. 1998). 

الكل ـ كل المغاربية  و إلى يومنا هذا ـ  ينطقونها ب أزيلا (بياء ساكنة أو زاي مجرورة). و لرُبما أن الذاكرة الشعبية لازالت تحتفظ باسمها الأول بالرغم من توالي القرون. في هذا الصدد  جاء عند ياقوت الحموي (القرن12م) هذا الموضع بلفظ أصيلا و قال: "بلد بقرب طنجة و يقال فيه أَزَيْلَة  و قصد المجوس  أهلها لإستخراج ما فيها من أموال ... ".( معجم البلدان. بيروت 1990 ). 

  جاء في قاموس اسباني ما يلي : 

ü     أصيلا من  أصيليوس ـ Acila de Acilus  : اسم عائلة رومانية. 

ü     أصيليَانوس : هو ماريو أصيليو كلابريون Mario Acilio Glabrion Acilianus  موظف روماني  سامي و قائد عام Magistrado . 

ü     أصيلا  Acilla  : مدينة قديمة ساحلية شمال أفريقيا. بمنطقة بيزنطة تقابل سواحل صيقلية. 

ü     أصيلاس  Asilas : إسم لمحارب روماني. 

ü     آشيلاس Axilla  : لقب روماني. 

من قاموس Agustin Blanquez Fraile. 

Diccionario. Latino  - Español, Español – Latino 

Editorial Ramon Sopena. Barcelona 1995. 

هل يعني أن إسم أصيلة يعود إلى الرومان بعد ان أسسوها أو  استوطنوها فوضعوا لها هذا الإسم تيمنا  بأحد القادة أو المحاربين الرومان؟ 

في القاموس العربي نجد  كلمة أصيلة لها اشتقاق من فعل أصل الذي يعني أسفل كل شيء  و نقول أصيل في النسب : راسخ ، شريف الأصل، النجيب، من يتصرَّف في الأمر بنفسه أصالةً. و قد يعني أيضا الوقت بين العصر والغروب، قُبيل غروب الشمس. وبهذا المعنى جاء في القرآن الكريم: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الانسان:25]، أي صباحاً ومساءً. أصيلة تعني أيضا، حية قصيرة كالرئة لونها أحمر.. فهل أسم أصيلا مرتبط بدخول العرب القادمين من الشرق؟ و لا أدل على ذلك تماثل الكثير من الأسماء بين شرق البحر المتوسط و غربه كقولنا بريف حلب و ريف دمشق  و البصرة ، و نقول جبال الريف و بلاد الريف و العرائس و أصيلة و البصرة عندنا هنا في الغرب. 

يسميها الإسبان بأرثيلا   Arcilah, و البرتغال ب أرزيلا Arzila  و هي أسماء أنساب و أُصول عائلات جد متداول خاصة في الجنوب الإسباني بل و حتى في أمريكا اللاتبية. كما يَرْكب هذا الإسم على  الكنائس و القديسين. جاء في أحد المواقع الإلكترونية http://www.misapellidos.com/significado-de-Arcila-32766.html على النحو التالي: أرثيلا   Arcila أسم و نسب شريف متجدر في القدم بالساحل الأندلسي (خيريز و قادس). و يستعرض الموقع شعارا مسكوكا. و في تفسير أقرب إلى ميتولوجي يشرح و يصف  الكاتب كل صورة  على حدة (لون الفضة و لون الذهب و الأزرق و القلعة و نجمة  خضراء و محارب و أسد و لهب من نار ). 

نعلم أن  البرتغال استوطنوا أصيلا (القرن 16م) و كانوا يسمونها مُدَيْنَة الفضة Villa de la plata . و أن أصيلا كانت دائما محاطة بصور منيع في شكل قلعة.  و أن لون الذهب ـ الأصفر المائل إلى الإحمرارـ هو ما يميز فضاء أصيلا قبل غروب الشمس، أي وقت الأصيل السالف الذكر. و بوجود أصيلا على  الشاطئ  فإن  أفقها نحو الغرب يجمع زرقة السماء و لون البحر..   

نستنتج مما سبق أن القاسم المشترك بين أصيلا في القاموس العربي و أصيلا ـ أصيليوس رومانيا و حتى أرثيلا أسبانيا  أو أزيلي بربريا فإنها تدل على النسب و الأصل الشريف  و التعقل. و حتى بربريا، بالإضافة إلى الجمال قد تعني الجَيد El bueno.  

هناك من يقول، و نظرا لكون "المدينة غارقة في القدم فإن أسمها تغير نطقا و رسما بتغير الحضارات التي مرت عليها". (عبد الرحيم الجباري. أصيلا، تاريخ و أعلام. مصلحة الطباعة1999 ). 

 لكن الغريب هو أن تُنطق بطريقة مخالفة لما تكتب عليه؟. 

  

 

ZAILA.COMASILAH | Tous droits réservés - Mentions légales - Contact  

Le Site Web du Tourisme Zaîlachi 

Zaîla.com