التفكير في قضايا الشمال، ثقافيا 

أسامة الزكاري 

  

           ظلت منطقة شمال المغرب تعاني من وقع ضريبة الإهمال والتهميش والتنكر لسنوات طويلة خلال مرحلة ما بعد حصول بلادنا على استقلالها السياسي. كما ظلت تواجه ـ بإبائها المعهود ـ سلسلة متراتبة من أشكال متعددة من الجحود ومن العقاب الرمزي الذي تآمرت فيه جهات مختلفة، ولأهداف متباينة. فكان لها قصب السبق في مواجهة سلطة المركز، بعد افتراق السبل حول آليات تدبير العلاقة بين هذا المركز المنتشي باستقلاله المنقوص، وبين هذه الجهات المترامية والمشتتة عبر أقاصي خريطة الوطن. وازدادت الأمور استفحالا، بانقسام مواقف النخب التي ادعت " احتكارها " لرصيد الحركة الوطنية والمقاومة المسلحة ضد الاستعمار، حيث توارت الرؤى المستقبلية الواضحة والمستندة إلى فهم عميق لإواليات الصراع السياسي والاجتماعي لمغرب ما بعد الاستقلال، وتقزمت هذه الرؤى لترتبط بالمفهوم الحصري الضيق لصيغة الاستقلال، ودفعت بمهام استكمال بناء التصورات الحداثية والمبادرة جانبا، بعد أن جعلت منها مشروع مؤجلا حتى إشعار آخر ... 

             لقد جثمت سطوة نشوة الاستقلال السياسي على قطاعات عريضة من وطنيي " المغرب الجديد "، واختزلت فيه كل انتظارات المغاربة المشروعة في العيش الكريم، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا. ومن دون أن نشكك في مصداقية هذا الحزب أو ذاك، أو في أداء هذا التنظيم أو ذاك، أو في صدق نوايا هذه الزعامات أو تلك، فالمؤكد أن المرحلة كانت لها أخطاؤها، مثلما كانت لها إنجازاتها. ومن المؤكد أن الفاعلين في المشهد السياسي آنذاك، كانت لهم تقديراتهم مثلما كانت لهم أوجه متعددة من المغالاة ومن الطموحات الجامحة التي ارتبطت بسطوة نشوة الاستقلال المذكورة. لذلك، كان الصدام أمرا حتميا، وكانت الجرائم أمرا مستساغا لمرتكبيها، وكان التدافع المصلحي الضيق والشوفيني المقيت عنوانا للكثير من السلوكات المقيتة التي ميزت المرحلة. وفي كل هذا وذاك، كان لابد من إعادة كتابة التاريخ وفق قوالب تستجيب لضرورات إعادة تشكيل الذاكرة، وصنع الزعامات، وافتعال الوقائع، وتنميط الخلاصات، وتبرير الإخفاقات، وتغييب الانتكاسات، وتذويب التمايزات على مستوى الآراء والمواقف والمبادرات. 

         في إطار هذا المسار العام، كان لمنطقة الشمال حضور بارز على مستوى جهود إعادة تشكيل معالم المشهد السياسي الوطني لمغرب ما بعد الاستقلال، ليس فقط لأدوارها النضالية والجهادية المعروفة ضد جبروت الاستعمار وفي مواجهة مختلف تمظهرات الاستبداد، ولكن ـ وهذا هو الأهم ـ على مستوى نزوعاتها الفطرية لرسم مسارات الحركة الوطنية بسمات خاصة، كثيرا ما أقلقت وطنيي " المركز " بالنظر لجرأتها الأكيدة ولنزاهتها الصادقة ولأصالتها العميقة. فثورة الشريف محمد أمزيان ضد الإسبان، لم تكن مجرد حدث معزول عن سياقاته المجتمعية، بقدر ما كانت تجسيدا لمظاهر انغراس روح الانعتاق والتحرر التي ميزت أبناء المنطقة على امتداد القرون الزمنية الطويلة. كما أن جهاد الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، ظل عنوانا لعظمة فعل الشهادة في التاريخ الوطني واختزالا لقيم الإباء والشموخ، ذلك أن الأمر لم يكن مرتبطا برد فعل فردي أفرزته تطلعات شخص واحد، على أهمية ما قام به في هذا الصدد، بقدر ما أنها عكست استمرارا لمسيرة طويلة ومتجذرة من تعزيز القيم الوطنية المشتركة بين كل المنتمين لتربة هذا الوطن. ولم يكن عطاء  الحاج عبد السلام بنونة، الملقب بأب الحركة الوطنية المغربية، مجرد استجابة لنزوة عابرة في الارتقاء بالفرد وبالجماعة في لحظة زمنية طارئة وفي رقعة جغرافية محصورة، بقدر ما كان تجسيدا لرغبة عميقة في تحصين الذات الوطنية وإكسابها كل عناصر القوة  والمناعة الضرورية لتأهيل الوطن قصد الانخراط في معركة مجابهة مشاريع الاستعمار. ولم يكن جهاد الزعيم عبد الخالق الطريس مجرد شعارات ومواقف فرضها الواقع الاستعماري الذي جثمت تبعاته على بلادنا، بقدر ما كان مدرسة حقيقية في التربية على قيم الوطنية الحقة، قيم الوفاء الصوفي والإخلاص الفطري والجهاد المستميت. وفي كل ذلك، كانت خطابات الفاعلين الوطنيين انعكاسا جليا لتمثلاتهم التاريخية عن القيمة الحقيقية لمفاهيم مرجعية في التفكير وفي السلوك، وفي المبادرة، قيم هي ـ في نهاية المطاف ـ عنوانا للهوية الأصيلة لمنطقة الشمال كما تلاقحت واغتنت على امتداد فترات زمنية طويلة. 

       لكل ذلك، فالهوية المحلية لمنطقة الشمال تظل انعكاسا لركام هائل من المؤثرات والأصول الحضارية المتباينة التي استطاعت أن تنصهر في إطار ذات واحدة / متعددة، أرخت بظلالها على المسار التاريخي الطويل المدى ـ بالمعنى البروديلي لهذا المفهوم ـ للمنطقة. وسيكون فهمنا مختزلا لتحولات هذا المسار إذا حصرناه في مجال  ذهني أو معيشي دون آخر، أو في مرجعية إثنية أو دينية دون أخرى، ذلك أن حضن هوية الشمال قد شكل مجالا واسعا لتعايش كل المؤثرات المتوسطية الواسعة، على اختلاف أصولها ومرجعياتها ولغاتها ودياناتها وإبداعاتها. ولعلها من المناطق الرائدة في تجارب تحويل ميكانزمات الغزو والاحتلال إلى بوابة لفهم " الآخر " قبل استيعابه وتطويع تراثه الفكري والحضاري. لذلك، كان المكون الثقافي أساسيا في تحديد معالم هوية الشمال، وظل يقوم بمهام التأصيل لمشاريعها التحررية والنهضوية المختلفة، ليس فقط خلال المرحلة الراهنة، ولكن كذلك منذ فجر ميلاد الدولة المغربية قبل قرون طويلة. وقد اتخذ هذا البعد مظاهر متعددة، يمكن أن نلخصها إجمالا على الشكل التالي : 

       أولا ـ على مستوى الانصهار الحضاري الواسع : شكلت المنطقة على امتداد تاريخها الطويل، مجالا مفتوحا لاحتضان التيارات الحضارية المتوسطية ولإكسابها صفات الانصهار التلقائي الذي يعيد ـ باستمرار ـ تشكيل أبعاد الهوية المحلية. لذلك، أصبح الرصيد الثقافي يغتني بأصول شتى تركت بصمات على مختلف أوجه العطاء الفكري والإبداعي، وحمل آثار المؤثرات المتشعبة المصادر، والتي اغتنت داخلها الأصول الأمازيغية، والمرجعيات العربية الإسلامية، والتراكمات اليهودية، والمكتسبات الأندلسية، والجذور الإفريقية، ثم الامتدادات المتوسطية. وفي تمازج مثير من نوعه، استطاعت المنطقة تحصين خصوصياتها الثقافية بالانفتاح التاريخي على التأثيرات الحضارية التي احتكت بها. وبشكل تدريجي ظلت المنطقة تحسن التقاط التراكمات الإبداعية والحضارية لشعوب الضفاف المتوسطية، بل واستطاعت استيعاب هذه التراكمات لكي تتحول إلى رصيد مميز لساكنة المنطقة. وفي هذا الإطار، لم يكن بالإمكان التمييز في التعامل بين الصديق والعدو، أو بين الغازي والمهادن، أو بين الحليف والمتآمر، فالتراث الحضاري يظل إبداعا إنسانيا يسمو عن المواقف الظرفية المرتبطة بالمشاكل التاريخية الطارئة. وداخل هذا المسار العام، اكتسبت ساكنة المنطقة صفات مميزة، في ترشيد تأثيراتها وفي تطعيم أصولها بشكل مستمر. لذلك، أصبح من المستحيل ـ اليوم ـ إنجاز تصنيفات إثنية افتراضية للتركيبة البشرية للمنطقة. فمن يستطيع ـ مثلا ـ إثبات أصله العربي الخالص ؟ ومن يستطيع ادعاء " نقاء " جذوره الأمازيغية ؟ ومن يمكنه تأكيد ارتباطاته الأندلسية الإيبيرية ؟ ثم من يستطيع تحديد المجالات الجغرافية الخاصة باستقرار كل عنصر إثني مفترض ؟ ألم يكن التمازج الحضاري قدرا محتوما انصهر فيه الجميع، واكتسبت داخله قبائل عربية عدة مقومات أمازيغية واضحة، كما جنحت قبائل أمازيغية أخرى إلى اكتساب الكثير من عناصر التعريب والتي أضحت جزءا من مكوناتها الأصلية ؟ ومتى كان للتنظيمات القومية العربية ـ ولأحزابها البعثية تحديدا ـ موقع قدم فوق الأرض المغربية ؟ وما الفرق بين النزوعات الطائفية والانتماء الحضاري الواسع ؟ ألا يؤدي الخلط بينهما إلى تكريس مشروعية مفترضة لخطابات شعبوية متعددة الأصول ومغرقة في شوفينيتها وفي عدائها لمحيطها و"للآخر المغربي "  المتساكن معها منذ العهود الطويلة الماضية ؟ ثم قبل ذلك، من يستطيع اليوم أن يدافع عن أسطورة " الأصل النقي "، وعن حكاية " الشعوب الأصلية "، وعن المجال الهلامي الذي أطلق عليه أصحابه اسم " تامزغا " والذي لم يثبت له أي وجود تاريخي إلا في مخيلة صانعي " تاريخ الأهواء " ؟ وارتباطا بذلك، ما هو موقع البحث العلمي غير الوظيفي والمخلص لإجرائية الأدوات المنهجية في التنقيب  وفي التشريح، من مثل هذه التخريجات ؟ وهل تستطيع اللغة والتراث الإثنوغرافي والامتدادات السوسيولوجية أن تقدم العناصر الكافية لإقامة الدليل على أصالة هذا " العرق " أو ذاك ؟ وإذا سلمنا بذلك، فما هي حدود التوزيع الجغرافي الخاص باستقرار كل عنصر إثني من العناصر المتساكنة بالمنطقة؟...                                                                          أسئلة متناسلة، لا شك وأن الإجابة عنها تجعل " الخلدونيين الجدد " وكل المنشغلين بتأجيج النزوعات العرقية في حرج علمي وتاريخي أمام قوة الوقائع، كما أن التماهي مع شعارات انفعالية مغلقة، من قبيل " الحكم الذاتي بالريف " أو " ربط الأندلسيين بجذورهم الإسبانية " ... تظل مجرد إفرازات لتدافع مجتمعي واسع فرضه صعود خطاب القوميات والأعراق، في مقابل تبخيس قيم العقلانية وسبل تدبير الانتقال الحداثي وفق المنطلقات الإنسانية الواسعة والأسس العلمية والديموقراطية في التعاطي مع التعدد اللغوي والثقافي والإثني بعموم البلاد. 

       ثانيا ـ على مستوى تقييم رصيد الإبداع الحضاري لمنطقة الشمال : استطاعت المنطقة على امتداد تاريخها الطويل أن تنجب الكثير من الأسماء والأعلام الوازنة في مجالات الفكر والثقافة والإبداع. ولن يكون بمقدورنا إنجاز كل اللوائح التصنيفية الخاصة بهذا المجال، لاعتبارات متعددة، أهمها مرتبطة بتشعب حصيلة العطاء في مجالات معرفية متنوعة، ثم نظرا لاقترانها فترات زمنية طويلة ممتدة في الزمن. إنه " نبوغ مغربي " كان فيه الفضل لرجالات المنطقة في تعزيز صرح النسيج الهوياتي الوطني، بمشاريعه الثقافية المختلفة. 

     ثالثا ـ على مستوى التأصيل لقيم العمل الوطني الراشد : من المؤكد أن الخطابات التحررية التي تبنتها نخب منطقة الشمال في سياق مجابهتها لمشاريع الغزو الاستعماري، كانت تمتح أصولها من عمق ثقافي إصلاحي، وجد تعبيرات جمة عنه في المجالات الإعلامية والتربوية والتعليمية والجمعوية والحزبية. لذلك، لم يكن غريبا أن تحتل المنطقة مكانة الريادة على الصعيد الوطني في مجال إبداع قنوات تبليغ قيم الحركة الوطنية. فمن " المعهد الحر " مثلا، إلى " مجلة السلام " ، مرورا بإنشاء أول جمعية وطنية للدفاع عن حقوق الإنسان بمدينة تطوان، وانتهاءا بالكثير من المشاريع النهضوية التي أبدعتها نخب الشمال في سياق جهودها المتواصلة لمقاربة انتظارات المرحلة، استطاعت أعلام المنطقة بلورة صورة الضمير الحي في تجسيدات ذهنية وسلوكية رائدة، لازالت آثارها قائمة إلى الآن. 

     رابعا ـ على مستوى الاندماج المجالي : شكلت منطقة الشمال فضاءا اندماجيا بامتياز بقطبيه البشريين، منطقة جبالة ومنطقة الريف. ولا شك أن كل محاولة آنية للفصل المفترض بين تركيبتي المنطقتين لن يكون إلا ضربا من الخيال، حتى ولو اتخذ شعارات سجالية براقة أو شعبوية مخادعة، من قبيل " الحكم الذاتي "، أو ما شابه ذلك ... 

       خامسا ـ على مستوى الامتدادات الراهنة : لا شك أن إكراهات الراهن، بتعقيداتها المتشعبة، وبانتظاراتها المختلفة، بدأت تفرض على المهتمين العودة الجماعية لإعادة قراءة خصوصيات التطور التاريخي لمنطقة الشمال، في أفق تحويل مكتسبات هذا التطور إلى زاد يومي يمكن أن يساعد على فهم معيقات المرحلة.  فإبدالات العطاء الثقافي الخصب والمتنوع للمنطقة، يمكن أن توفر الأرضية المرجعية الضرورية. فهي أساس تفكيك العناصر المتحكمة في تعقيدات الراهن، كما أنها  أساس الاشتغال لتجاوز تمظهرات هذه التعقيدات. 

     إنها مشروع مفتوح على المستقبل، يمتح أصوله من عبق التاريخ، وينفتح على العصر ليصنع معالم " تنمية ثقافية " تعيد رسم أسس العلاقات الكائنة والممكنة بين ثوابت المنطلقات وتغيرات الواقع التاريخي. 

  

Le Site Web du Tourisme Zaîlachi 

Zaîla.com  

Zaîla Culture Locale 

 

ZAILA.COMASILAH | Tous droits réservés - Mentions légales - Contact