MENU

ZAILA.COM
Asilah.fr

CULTURE LOCALE

يحيي بن الوليد 

zaîla.lettres 


باحث وأكاديمي مغربي، مختص في قضايا التراث والنقد الثقافي، حاصل على دكتوراه في الخطاب النقدي والفلسفي بالمغرب. من مؤلفاته: "التراث والقراءة: دراسة في الخطاب النقدي عند جابر عصفور"، و"الوعي المحلق: إدوارد سعيد وحال

يحيي بن الوليد 

الثقافة الأيديولوجيا وسلطة المعرفة الملتزمة 

لقد بدا لافتا هذا التركيز، غير المسبوق، على الثقافة في زمننا المعاصر؛ وهو ما حدا بأكاديميين - مُنتِجين - إلى توصيف العملية بـ"عودة الثقافة إلى مقدمة المشهد" خلال النصف الثاني من القرن العشرين[2]، وهي عودة في تزايد مستمرّ بالنظر إلى أدوار الثقافة ومجالات تدخّلها مقارنة مع السياسة والاقتصاد والاجتماع... في أدوار أخرى ومجالات مغايرة؛ دونما سقوط، هنا، في "وحش الثقافة"، أو في أن نجعل من الثقافة "دينا بديلا"؛ ذلك أنّه مهما كان من أهمية لها، وعلى وجه التحديد في علائقها المثمرة والمعقدة مع المجتمع، فإنه لا ينبغي أن نردّ كل شيء في هذه الدنيا للثقافة بمفردها؛ وإلّا سنسقط في "النزعة الثقافية" (Culturalism) التي تفضي إلى "الغطرسة الثقافية"، حين تدّعي تفسير المجتمع والتاريخ - برمّته - بالثقافة.

تمّ إفراغ الثقافة من مضامين الفن والأدب والاجتماع والسياسة، بعد أن تمّ حصرها في مجرد صناعة وواجهة

غير أن ذلك لا ينزع عن الثقافة "عرشها" بخاصة في ظل تنامي دعاوى الاستئصال والتطرّف والبلقنة والانشطار... وعلى نحو ما يطاول التعاطي مع ألغام الهوية ومشكلات الذاكرة وقضايا الأمم... إلخ. وبخاصة كذلك، وأننا نتعاطى مع الثقافة، هنا، باعتبارها نصوصا قوامها أنساق من التمثيل في أشكال من الإبداع الرمزي والإنتاج المادي جنبا إلى جنبٍ مع كونها ممارسات دالة وداعمة لما ينعته الإنجليز بـ"أساليب الحياة" أو Patterns على نحو ما يذكّرنا بها الأنثروبولوجي كلود ليفي شترواس[3]؛ وذلك كلّه أيضا في نطاق خطاطة "المجتمع والثقافة" التي بموجبها تصير الأنساق الثقافية جوهر الأنساق الاجتماعية[4].

كما أن الثقافة، ومن خارج خطاطة أو "مسألة يسار أو يمين" هذه المرّة، هي سياسات وتدابير واستراتيجيات وأولويّات... في سياقات متغايرة. بكلام أو مفهوم المفكر علي أومليل، في كتابه "سؤال الثقافة - الثقافة العربية في عالم متحوّل"؛ فالثقافة "رؤية ومبدأ للسياسات" و"قضية استراتيجية تصوغ العقليات وتطبع السلوكيات"[5]. وهنا تتدخّل الأيديولوجيا في تعريفها العام[6]؛ أي باعتبارها "بناءَ أفكارٍ ومعتقداتٍ" مثلما في إصرارها على تغيير الخرائط (خرائط التفكير والسلوك بالنسبة إلى المجموعات القومية)، سواء من أجل إعادة ترسيم هذه الخرائط بأكثر من شكل ودونما اجتثاثها من الأصل، أو محوها في سياق رسم خرائط أخرى جديدة تتماشى والسياسات والاستراتيجيات... سالفة الذكر.

وفي العالم العربي؛ شهدت الخمسينيات النازلة والستينيات الصاعدة، من القرن المنقضي، أوج دعاوى "فك الاستعمار" (Décolonisation) وتصفية تركة الاستعمار ومناصرة الفكر الاشتراكي و"حتمية" زوال إسرائيل... إلخ. كذلك مواصلة أحلام "الاستقلال التاريخي التام" وأدوار الإنتلجينسيا وبناء الدولة الوطنية على نحو ما كان يحلم بها المثقّفـون إبّان فترة الاستعمار؛ تلك الدولة التي ذاق من أجلها الكثير من هؤلاء عذاب سجون الاستعمار، وهو ما طبع المرحلة سالفة الذكر بمناخ أيديولوجي ساخن امتدّ من المقال الفكري في الشأن الراهن إلى القصيدة الشعرية الصاخبة إلى الرجوع إلى التراث في سياق استخلاص "نزعاته المادية" وبحثا في "تحوّلاته" من "العقيدة إلى الثورة"، ومن التراث ذاته نحو التجديد عبر أسماء وازنة، مثل حسين مروة وأدونيس وحسن حنفي والطيب تيزيني... إلخ. وذاك كلّه في المدار الكاشف عن فاعلية الأيديولوجيا وكمين الأيديولوجيا والشحن الأيديولوجي والسائل الأيديولوجي والضخّ الأيديولوجي والشراسة الأيديولوجية وحتى الحقد الأيديولوجي... وحيث أشكال من الثمالة الأيديولوجية والخيال الأيديولوجي والإنتاج الأيديولوجي... إلخ.

ويمكن الاستدلال، في مجال النقد الأدبي الذي كان مجلى للواقع الثقافي والأيديولوجي للمرحلة، بالكتاب النقدي السجالي لكل من الناقدين المصريين محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس "في الثقافة المصرية" (1955) الذي يعكس ما اصطلح عليه - وقتذاك - بـ"الواقعية الهائجة". والكتاب ينطوي على سجال صريح مع العميد طه حسين (النقد الليبرالي) الذي كان لا يخفي نفوره من واقعية محمود أمين العالم. يشرح الناقد المصري جابر عصفور، في كتابه الدسم حول طه حسين والموسوم بـ"المرايا المتجاورة" (1983)، "أن ما لم يقله طه حسين هو أن هذه الواقعية خلطت خلطا بين النقد الأدبي و"السياسة العملية"، وجعلت الناقد أشبه بقائد سياسي فرح بنفسه يوزّع صفات "الرجعية" و"التقدّمية" على من يشاء"[7]. والنقد نفسه سيواصله الناقد الفلسطيني فيصل دراج، في كتابه "الواقع والمثال" (1989)، من خلال ما وصفه بـ"الشكل الناقص" الذي اتخذته الواقعية عند محمود أمين العالم وحسين مروة. يقول فيصل دراج: "قد عاشت الواقعية معظم زمانها كـ "خردة أفكار"؛ أي إنها لم تكن تعكس أصولها بقدر ما كانت تدعو إلى إنتاج هذه الأصول"[8]. والملاحظ أن هذا الموقف سيتواصل في الخطاب النقدي العربي، حتى النصف الثاني من عقد الثمانينيات، لكن بالاستناد إلى منظور ماركسي قومي أقلّ حدّية مقارنة مع ما سبق.[9]

ولعلّ في ما سلف، ما لا يحول دون التركيز، في حال العرب، على صنف من "النقص الأيديولوجي"، سواء في مجال النقد الأدبي في التباسه بالنقد الأيديولوجي أو في العمل الفكري والأداء الثقافي بصفة عامة. وعلى هذا المستوى، يصعب الحديث عن "إرث أيديولوجي" حسب تعبير ف. فوريه.[10]

في السياق نفسه، لكن في نطاق أوسع، ثمة صنف من النقد الأيديولوجي الذي كان يتطلع إلى إحداث تغيير جذري يطاول المجتمع ككل، أو المجتمع في "كليته" (Totalité)؛ وذلك كلّه عبر صنف محدّد من الأيديولوجيا ضمن "المعالجة الفلسفية الاجتماعية للحركة العربية الثورية". وفي هذا الصدد، يمكن أن نحيل على الكتاب الضخم "الأيديولوجيا الانقلابية" (1964) ضمن المعالجة ذاتها كما يسمّيها صاحب الكتاب المفكّر اللبناني القومي العروبي نديم البيطار (1924 - 2014). ويلخص عبد الله العروي، في كتابه "مفهوم الأيديولوجيا"، [حكاية "الأيديولوجيا الانقلابية الناجحة"] قائلا (ونسوق كلامه على طوله): "يريد البيطار أن يقنع القرّاء أن الثورة العربية التي بدأت بانهيار الكيان التقليدي لن تستمر ولن تكتمل إلّا إذا تبلورت أدلوجة انقلابية، وتغلبت على الفلسفة التقليدية وطردتها من المعمل، من المدرسة، من الشارع، من البيت... كيف يتمّ الإقناع؟ باللجوء إلى الجبرية التاريخية؛ أي بالكشف عن وجود سنّة متواترة في التاريخ. وهذا لا يتأتّى إلّا بالسرد وجلب الأمثلة تلو الأمثلة. يسرد ولا يمل من السرد، ليجعل القارئ يحسّ أن وراء الأمثلة العديدة والمختلفة يوجد قانون واحد لا ينفلت منه أحد"[11]. ويخصّ نديم البيطار الأمثلة، أو "اختيار الأيديولوجيات الغربية الحديثة" كما يسمّيها في المقدمة، بالذكّر. ويعدّدها في "الليبرالية وثوراتها المختلفة، والماركسية في مختلف ثوراتها الشيوعية، والنازية، وإلى درجة ما الفاشية الإيطالية والبروتستانية"[12]. وحتى نواصل كلام عبد الله العروي "لن يكتب النجاح لأيّة ثورة عربية إلّا إذا تبلورت قبل الثورة أدلوجة انقلابية عربية، مأخوذة من فلسفة اجتماعية انقلابية عربية"[13]. و"يعتقد نديم البيطار أن العالم العربي لم يعرف أيّ انقلاب منذ ظهور الإسلام إلى اليوم، وأن الحال التي يعيش عليها الآن هي حالة انتقال تستلزم، لكي تصبح ثورية بالفعل، أيديولوجية انقلابية تحلّ محل الأيديولوجية التقليدية التي هي في طريق الاضمحلال".[14]

وهذا الكلام كان في النصف الأول من ستينيات القرن المنقضي التي لم يكن قد استقرّ فيها شيء كبير يذكر في أغلب بلدان العالم العربي. لذلك كان، وحتى قبل هزيمة العرب الكبرى مع إسرائيل، لا بدّ من أن يتغيّر "الخطاب"؛ بل إن هذا التغيّر هو ما سنطلع عليه في عمل عبد الله العروي نفسه "الأيديولوجيا العربية المعاصرة" الذي نشر قبل أسابيع من هزيمة حزيران ذاتها. كشف العمل عن تساوق المعرفي (النهاجي؛ بلغة العروي) والنقدي، إضافة إلى تركيزه على الأمثلة العربية في نطاق تتبع خطاطة: الشيخ/ الليبرالي/ التقنوي في سياق التطلّع نحو التحرّر من "التأخّر التاريخي". ومعنى ذلك، أن الكتاب مرتبط بعصر النهضة الواقع في الفترة الممتدة ما بين 1798 و1939 التي عدّت فترة "الأسئلة الكبرى" في حياة العرب؛ وذلك كلّه من منظور "اجتماعيات الثقافة" تبعا لاصطلاح عبد الله العروي الأثير. لقد وصل ما بين الماركسية والاجتماعية الألمانية، "المعنى الذي بلورته أعمال مانهايم ولوكاتش"[15]. ولعلّ درس العروي هنا: "إن عدم وضوح المفاهيم خطر كبير على استقامة الفكر"[16]، وهو ما جعله يخوض في التعريف المفهومي لمفاهيم محدّدة بدءا من مفهوم الأيديولوجيا ذاته (1980). لقد قيل الشيء الكثير عن كتاب "الأيديولوجيا العربية المعاصرة" وعن مشروع عبد الله العروي، وبخاصة في جانبه المتعلّق بـ"النقد الأيديولوجي"؛ ومن جهتنا أسهمنا في الموضوع.[17]

غير أن التعاطي مع الثقافي/ الفكري من منظور الالتباس مع الأيديولوجي لم يكن يسلم من صعاب، بل مخاطر، لذلك، وجدنا من اصطدم بأنظمة الحكم قبل انطفاء العقد الأوّل من حصول بلاده على الاستقلال الوليد. وهناك من دخل السجن، بل أمضى أكثر ممّا أمضاه من سنوات في عهد الاستعمار، بل هناك من دفع حياته ثمنا لتصلّب النظام. وحصل ذلك في أكثر من بلاد عربية، وشمل ذلك ثائرين وكتّابًا وشعراءَ... إلخ. وكان محمود أمين العالم سالف الذكر قد أمضى في سجون جمال عبد الناصر ما بين 1959 و1964. كما أن كتاب العروي، الذي تمّت قراءته على نطاق واسع وإن من خلال الترجمة العربية، قد طاوله المنع بالمغرب: بلد المؤلّف.

إجمالا كان المناخ العام، والغالب وقتذاك، هو مناخ الأيديولوجيا الساخن. وقد ظلّ العرب على حالهم في هدير الأيديولوجيا، والثمالة الأيديولوجية، إلى أن فاجأتهم الهزيمة المدويّة مع إسرائيل عام 1967، وهو ما شرّع السؤال على أزمة الوعي الأيديولوجي وتعيينا "الأيديولوجيا المهزومة"، حتى نحيل على كتاب المفكر السوري ياسين الحافظ "الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة" بمواضيعه المكتوبة خلال الفترة الممتدة ما بين 1967 - 1977. وهذا مع الإقرار بـ"الهزيمة الكبرى" (كما ينعتها) والممتدة منذ "وعد بلفور"، حتى التاريخ الثاني. اللافت للنظر في الكتاب، ودونما تغافل عن الإشارة إلى تأثير "تاريخانية" عبد الله العروي على صاحبه[18]، انصرافه إلى "الجذور" (كما يسميها)، حيث التأخر والتخلف (لا كمقولة اقتصادية فقط) والانهيار والحطام وبلايا العرب والتكسير المجتمعي... إلخ. انصرافه إلى "نقد المجتمع" بدلا من الاكتفاء بـ"نقد السياسة". وكما يقول ياسين الحافظ نفسه: "ولكن كيف هي الإشكالية في الواقع، لا في الأيديولوجيا!"[19]؛ خاصة وأنه "منذ هزيمة حزيران، بدا واضحا أن سلطان الأيديولوجيا التقليدية السلفية في توسع ملحوظ"[20]. إضافة إلى قصور وعي اليسار، ونفوذه المحدود على المجتمع العربي، الناجم عن اغترابه الأيديولوجي أيضا، حتى لا يتمّ ردّ الأمور إلى نفوذ الأيديولوجيا التقليدية فقط.[21]

وكما في شبه ثابت يخصّ العرب؛ فالهزائم العسكرية تقوّي أنظمة الحكم والاستبداد... بدلا من إسقاطها، لذلك، يذهب البعض إلى "الاعتقاد بأنه في الوطن العربي بصفة خاصة - وهذه سمة استثنائية أخرى - تؤدّي الهزائم العسكرية إلى تقوية الأنظمة التسلطية بدلا من إضعافها أو الإطاحة بها"[22] كما يلخّص غسان سلامة الفكرة في تمهيده لكتاب "ديمقراطية من دون ديمقراطيين".

ومن هذه الناحية، فقد تصلّبت هذه الأنظمة، بل طغت و"أكلت الأخضر واليابس" مقارنه مع الاستعمار. ودونما تمجيد - هنا - لهذا الأخير سواء على مستوى التضمّن أو الإشارة؛ ذلك أن الاستعمار بدوره ارتكز على حزمة "شعارات كولونيالية" مركوزة في "التاريخ القذر للأيديولوجيا الأمبريالية والمدرسة الاستعمارية" كما تعاطى معها، من مواقع التحليل المعمّق والصارم، الأكاديمي الأمريكي والمفكر الفلسطيني إدوارد سعيد في أكثر من عمل له.[23]

أنظمة تعالت على المجتمعات، بعد أن محت مفهوم الدولة، حيث القانون والدستور والمواطنة والديمقراطية. لذلك، تقهقر الوضع إلى مرحلة ما قبل الدولة، حيث قبضة الطغمة أو العشيرة أو الطائفة أو الحزب... ومن ثمّ تصفية مشروع أو جنين الدولة - الأمة أو الدولة القومية بتعبير ياسين الحافظ[24]. الدولة التي تحمي من الانفجار الاجتماعي؛ ممّا يدعو إلى دعم الجانب الثقافي/ السياسي فيها، وهو أيضا ما يفرض التمييز بين الدولة والسلطة. والغاية من التمييز هي التأكيد على أن السلطة، في ارتكازها على العنف السياسي والقمع المادي، هي مدار الاصطدام، وأن هذه السلطة هي التي تفضي إلى الدولة العسكرية والدولة البوليسية والدولة الاستخباراتية... وغيرها من أنظمة "الاستبداد الشرقي" القائمة على محو السياسة.

لقد تمّ إفراغ الثقافة من مضامين الفن والأدب والاجتماع والسياسة... بعد أن تمّ حصرها في مجرد "صناعة" و"واجهة". ولأن "المجتمع كواقع حركي، لا كفكرة مجردة، يحتاج إلى أفراد وأفراد من نوع خاص" كما تقتضي الأيديولوجيا[25]، فقد تمّ شطب هذا الفرد بواسطة أنظمة لا تفارق الاستبداد. فلم ينظر للثقافة، باعتبارها "إسمنت التلاحم الاجتماعي" (بتعبير غرامشي الرائج) حتى لا يتمّ الطمع في اعتبارها مصدر تغيير وتبدّل في أنساق التفكير والإدراك.

وكانت الحصيلة الثقيلة، بعد محو الفرد، وبعد تجريف "المجال" الذي من خلاله تظهر السياسة كضرورة[26] إذا جاز أن نتحدّث بقاموس الفيلسوفة حنة أرندت، إشاعة "ثقافة الخوف". والخوف كالعنف يوجع الإنسان ويشوّه جسده والأفظع - يتسبّب له في "اختلالات" (Troubles) على نحو ما نقرأ في مقرّرات علم نفس المسحوقين أو "معذبو الأرض"، حتى نحيل على المناضل والطبيب النفساني الأنتيلي فرانز فانون (F. Fanon) الذي زاول هذا الطب بالجزائر خلال فترة الاستعمار، وصاحب الكتاب الأشهر الذي يحمل العنوان نفسه (Les Damnés de La terre) (1961).

لقد تمّ الحطّ من قيمة الثقافة، بل تمّت السخرية منها؛ وهو ما تؤدّيه عبارة "وهذا شأن من شؤون الثقافة". لكن في مقابل ذلك، أو بالموازاة، كان هناك خوف مؤكّد منها. ومن ثمّ استعمالها، لكن بعد تسطير مضامينها وتسييج محاورها. لذلك لا مجال للهويّة الثقافية وأشكال المثاقفة والحقوق الثقافية للشعوب وسياسات الثقافة والتعددية الثقافية وثقافة المشاركة والحقوق الثقافية للأقليّات... إلخ. وإذا ما حصل من اهتمام بالتعددية أو الفلكلور... ففي الغالب في إطار من تلازم الثقافة الشعبية والأيديولوجيا. وتعدّ هذه الأخيرة مفهوما حاسما في دراسة الثقافة الشعبية كما يدرس، بتفصيل، جون ستوري (J. Storey) في كتابه المهم والمرجعي "النظرية الثقافية والثقافة الشعبية".

ويتحدّد التلازم سالف الذكر من خلال طرائق الإيحاء بالتمويه أو التحريف أو الإخفاء... ومن خلال فكرة تضارب المجتمع بدلا من توافقه[27]. وكما يسجّل الأنثروبولوجي المغربي عبد الله الحمودي، في كتابه "الشيخ والمريد"، تكون الدولة، هنا، "هي المنتج الوحيد للإيديولوجيا"[28]. ومن ثمّ استبداديتها واختراقها للمجتمع... بدافع تثبيت الوضع من منظور غلبة التقليد أو "التقليدانية" (Traditionalisme) بالمصطلح الجامع لعبد الله العروي. والرسالة، هنا، أو في ظلّ هذه الغطرسة الأيديولوجية، واضحة؛ وهي أن لا يخطئ أحد في تقدير الأمور... في تقدير "الأيديولوجيا غير المستوردة". ومن ثمّ السند الثقافي للتسلطية كما يدرسها الحمودي في الكتاب سالف الذكر؛ وهي حالة تخصّ العالم العربي ككل.

فلا مكان لـ"أهل الثقافة" تبعا لمصطلح ماتيو أرنولد الذي يوظّفه إدوارد سعيد في كتابه "صور المثقف"[29]، ولا مكان للنخبة ولو غير المتحرّكة. المكان هو للمثقف التابع أو الموظف الأيديولوجي الذي يقوم بدور "الترجمان" ودور "المبلّغ بالنتائج"، وهو المثقف نفسه الذي يتصرّف، إذا اقتضت الضرورة، كعضو في المجلس العسكري... في نطاق التنوّيع على الخيانة خلال أطوار الحصر (البلوكاج) والتأزّم.

ينبغي إنصاف الثقافة من خلال تقدير "المحيط المباشر" الذي يستوعب المثقفين والمفكّرين والأكاديميين والكتّاب

وفي ظروف معينة، وبخاصة في ظل تنامي الخطاب الأيديولوجي المضاد لأنظمة الاستبداد، تلجأ السلطة إلى صنف خاص من المثقف؛ وهو صنف "المثقف الملاكم" كما في الحال التعاطي مع التيارات الدينية المتطرّفة التي لا تفيد أبدا المقاربة الأمنية القمعية في التعاطي معها. لا تجد هذه الأنظمة مانعا من أن تفسح المجال لهذا المثقف، ومن أن توفّر له أجهزتها الأيديولوجية، حتى يخوض حروبا ضارية بالوكالة عنها في المجال العام الذي اكتسحته هذه التيارات بواسطة الخطب وعن طريق استنساخ الكتب. ودونما تغافل عن مدى ذكاء هذا المثقف ومدى جاهزيته على هذا المستوى المنذور للحروب الثقافية التي لا يبدو الغرب ذاته - بإمكاناته الإدارية والإعلامية الهائلة - وفي السياق العالمي ككل - في وضع يؤهّله، لأن يكسبها كما يتصوّر الناقد البريطاني تيري إيجلتون (Eagleton T.) في كتابه "فكرة الثقافة"[30].

وفي ثقافة من هذا النوع، ومن منظور التوظيف الأيديولوجي، يسهل الدفاع عن شرعنة الاستبداد السياسي والإسهام في "صناعة الطاغية" أو "الطغيانية" حسب تعبير المفكر العراقي عزيز السيد جاسم. ويتمّ تجاوز الازدواج والولاء نحو عدّ الحاكم "امتيازاً منحه الربّ للشعب". وفي هذا الصنف من الثقافة، يسهل أيضا "تثليث المربع وتربيع المثلث"... ويُسارع نحو شيطنة دعاوى التغيير. وقد ظلت الثقافة على هذه الحال، في السياق العربي الضاغط، وحيث الفساد والانحطاط في أكثر من مجال من المجالات الضرورية والحيوية للمجتمعات العربية، إلى أن تفجّر الوضع العربي أواخر العام 2010 في إثر ما اصطلح عليه بـ"الربيع العربي" الذي سعى إلى أن يقطع مع ثقافة الخوف والأيديولوجيا المتصلّبة.

وعلى ضوء ما سلف، فإنه لا ينبغي الانغلاق في تصوّر عدمي بموجبه تغدو الساحة العربية عديمة الفكر والمفكرين والثقافة والمثقفين وأرباب المعرفة وعمّال الأفكار. وقبل ذلك، ينبغي إنصاف الثقافة من خلال تقدير "المحيط المباشر" الذي يستوعب المثقفين والمفكّرين والأكاديميين والكتّاب. ودونما حصر لهؤلاء في مجرد موظفين أيديولوجيين أو إداريين. ومن جهتنا، لا نستقرّ على أننا نعيش في "عصر ما بعد التيارات" أو "نهاية الأيديولوجيا" كباقي "خطاب النهايات" أو "النهايات السعيدة" كما نعتها الناقد الفلسطيني فيصل دراج. الحاصل هو هذا التحوّل من "الأيديولوجيا الماركسية الكلية والشمولية" نحو "الأيديولوجيات القطاعية" (Sectorielles) كما في حال التعاطي - وعلى سبيل التمثيل - مع "النسوية" (Féminisme) التي أخذت في التفجّر الثقافي والأيديولوجي - في السياق الغربي وضمنه السياق الأكاديمي - منذ انتصاف السبعينيات من القرن الماضي.

والظاهر أن هذا التحوّل ناجم عن "انفجار الغرب": انفجار الغرب ثقافيا وسياسيا (ثوار بلا قضية) وموسيقيا (الجاز والهيب هوب..) وجنسيا... كما يمكن أن نستخلص في نص طويل ورائع في كتاب "انتحار الغرب"[31]، وهو ما يفضي بنا إلى النقد الثقافي (Cultural Criticism). وصلة هذا الأخير بالأيديولوجيا منصوص عليها، بخاصة من ناحية الدراسات الثقافية البريطانية (Cultural Studies) التي مهّدت لهذا النقد. ورغم حديث كثيرين عن "المظلة الواسعة للدراسات الثقافية"، فإنه لا يمكن أن نخطئ الأيديولوجيا في هذه المظلة؛ يقول جيمس كاري (J. Carey) مرجّحا الفكرة ذاتها: "يمكن وصف الدراسات الثقافية البريطانية بسهولة، وربما بدقة أكثر على أنها دراسات أيديولوجية"[32]، وهو ما يظهر في أشكال من تعاطي هذه الدراسات مع ثقافة العمّال وتحوّلات الثقافة الشعبية نحو الثقافة الجماهيرية، وكذلك وسائط الإعلام والإشهار وتسليع الفن والمجتمع المصنّع والصناعة الثقافية... إلخ.

ومهما كان من اختلاف، فالعالم العربي، ووفق شروطه ومعاييره، لم يسلم من هذه المتغيّرات التي تظهر على صعيد الثقافة وبخاصة من ناحية "التحوّلات القيمية" الناجمة عن المثاقفة والتهجين واختلاط المعايير. وكان عبد الله العروي قد ختم كتابه "مفهوم الأيديولوجيا" (1980) قائلا: "وأخيرا هناك جماعة قليلة من الباحثين يحاولون تأسيس اجتماعيات الثقافة العربية المعاصرة"[33]. ويمكننا أن نسأل الآن: هل من كتب نقدية تدرس تحوّلات الأيديولوجيا في العالم العربي؟ بل هل من كتاب محدّد ولافت في هذا المجال؟

تصعب الإجابة عن السؤال الأخير. والرهان على التفكير والتفكير المغاير، وعلى أن نتعلم التفكير ونواصل التفكير كما قال - قبل عقود - المفكّر علال الفاسي في كتابه "النقد الذاتي"؛ دونما تنقيص من الأيديولوجيا من خلال تلخيصها في مجرد أقنعة وتحايلات وتخييلات... إلخ. فهي "نسق من التمثيلات"، وهي "مستقلة نسبيا" بتعبير عبد الله العروي[34]؛ هي دافعية للتفكير وبناء الأفكار. ومفهوم الأيديولوجيا مرتبط عضويا بمفهوم المجتمع والتاريخ، لذلك يستتبع مفهوما خاصا للتاريخ[35]. ومن ثمّ أهمية تضافر المنهجي المعرفي والتاريخي النقدي في هذا التفكير... بعيدا عن اختزال الثقافة العربية في قدر المقاومة. وشرط المعرفة، هنا، أو في هذا الرهان، لازم. وكما أن هذا الشرط قرين تفادي ما يسميه السوسيولوجي الفرنسي بيير بورديو (P. Bourdieu) بـ"الانغلاق السكولاستيكي" (Enfermement Scolastique)؛ ممّا يمنع الثقافة من الانفتاح على مشكلات المجتمع والعالم والعصر[36]، ومن التأثير - تاليا - في المجتمع وإن على نحو بطيء.

يحيي بن الوليد 

يحيي بن الوليد