zaila.com - Tous droits réservés | Mentions légales | Politique de confidentialité | Contact

MENU

CULTURE LOCALE

ZAILA.COM
Asilah.fr

رشيدة القدميري 


من قلبِ الحدَث سقطت قذيفة آه أحالت العمر دُخانا، حين سألها المقعدُ الفارغ بشرفتها عن عُقم الهمس في رحم ليلها، عن امتدادِ الأرق في مُقلتها، عن هلعِ الوقت من يومها، عن قلبٍ مُوصد حزين اشتاق أن يُطرق ولَو عن طريق الخطإ، عن دمعة تَحجرت في عينها فتعثرت بها باقي الدمعات، عن صقيع يلبسُ الجدران فتتجمَّدُ عليها صورها، عن صوتها المخنوق في حلقها، عن ابتسامتها الحزينة الغارقة في رسم ثَغْر جديد على مرآتها، عن ياسمينتها التي ذبُلت، وما عادت تقوى على مُداعَبة الندى على خدِّ أمسياتها، عن يد خفية قطعَتْ حبال الوصال بينها وبين روحها، وما عادت تُهديها وردة حمراء عطرها بقايا ذكريات طفولة حُرمت منها، عن جسر الانتظار المنكسرِ في قاع فنجان قهوتها الباردة، عن حبات الصبر المنثورة ملحا على جراحاتها، عن لحظات هاربة منها إلى حيثُ لا تدري، عن ظلها الذي خانَها واختفَى فجأة دُون سابق إنذار مَع أن العمر في منتصف النهار من وجعه يبكي…
مُجرد أسئلة سقطت سهوا من دفاتر “وردة”، التقطها الليل البهيمُ في ساعة متأخرة ليُزيِّن بها قُبح سواده الذي لا ينتهي… علامات استفهام أمطرت وجعاً على صفحة ليلها… فأزهرت أرقا وحزنا… أدمنها الألم، فأدمنت هي الصمت والصبر والتغابي…
“ما بغيتوش…”
صرخة كتمتها منذُ ليلة زفافها، لكنها كانت خير مسكن لحالتها…
“ما بغيتوش …” تُردّدُها بينها وبين نفسها، في ليلها ونهارها…
قبلَ أربع سنوات… عادَت وردة من المدرسة، أخذُوا منها محفظتها، وعلى أنغام زغاريد أهل الحيِّ سلموها عُدَّة الطبخ والكنس والغسيل في بيت رجل غريب نسبوها إليه دُون علم مُسبق منها ليُصبح “زوجها”…”هاء ” ابتلعت طفولتها، أغرقتها في بحر حُزن، وأدخلتها مجتمع الكبار دون تأشيرة من عمرها…
مجرد صفقة أحرقت بسمةَ وردة، وأذابت بهجة عطرها في ليل طال أنينه ويوم ضاق صبره…
اختار لها والدها عريسا بعيدا كل البعد عن ذلك الفارسِ الوسيم الذي رسمتهُ أناملها ذات حلم ورديٍّ، دون أن يكون لها حقُّ الرفض. رجل على ناصية العمر بعيد عن عالمها الصغير الباسم بُعد الفرحِ عن حياتها، يحكمُ عليها صباحا بأشقِّ الأعمال، ويَسجنها مساء في غرفة النوم… يُشبعها لَكما كلما تعذَّرت عليه معاشرتها دون أن تعرفَ سبب علَّته، وكأنما يريدُ بذلك العنف أن يحفظ بقيَّة صورة رجلٍ خانته ذُكورته، في مجتمع يجعلُ الرجولة مرادفا للذكورة.
حاولت البوح لوالدتها بما تُعانيه متوسِّمة كل الخير في قلب الأم الذي سيحملُ بما فُطرت عليه قلوب الأمهات بعضا من ثقل ينوءُ به قلبها. انتفضت الأمُّ نادبة خدها، عاضَّة على شفتيها، مكممة فم ابنتها كَيْ لا تَمضي في قولِ مُنكر:
“سكتي … ما عرفتك أبنتي لمن شبهتي؟ هاذ شي عيب وحشومة وما كنهدروش فيه… الراجل ما كيعيبو… غير جيبو… نوضي لكوزينتك … وجدي لراجلك ما ياكل… واحمدي الله… “. وجَيْبُ سيدنا الفاضل لم يكن به عيب…
صَمتَت وردة مُستسلمة لعُرف مجتمعي يمنحُ الحصانة للرجل مادام جيبُهُ يرنّ بالدراهم، حتى وإن كان على حساب بناته. مجتمع يحكمُ بالظاهر والمظاهر، يقدِّرُ السعادة بمساحة البيت وثقل الجواهر وقيمة اللباس، و عدد الأصفار في رصيد البنك حتى و إن كانت الحياة فعليا صفرا. مجتمعٌ يدفنُ قصص الأحزان تحت أسرة النوم، ويسترُ حكايات الأسى بين جدران البيوت.
ميتة وإن كانت على قَيْدِ حياة، لا تخرجُ من بيت زوجها إلاَّ مرافقة لحماتها، ولا تحظى بزيارة أمها إلا في المناسبات. سنوات من المعاناة جعلت وردة تُسرِّعُ مسلسل ذُبولها حين اختارت الموت، حين فضلت الانتحار مرة واحدة على أن تُنحرَ في اليوم عشرات المرات… استعملت السُّم في الشاي الذي أعدَّته لها ولأختها الصغرى، حين زارتها، لتُجنِّبها مسلسلَ الرعب الذي عاشته والذي كان ـ لا محالة ـ ينتظر الصغيرة بكل حلقاته المشوقة حدَّ الشجن… تاركة وراءها أفواها تنهشُ جسدها حية وميتة، وسطَ وسطٍ يُقدمُ بناته قربانا لسادة المال، ولسدنة معابد المُتعة الحلال.
رحلت وردة مخلفةً وراءها تربة تعجّ بالوردات، وسؤال السّقيا الذي يؤرقُ كل برعم أنثوي أينعَ في أرض لم يخترها، لا فرقَ بينه وبين باقي البراعم سوى أن هذا أسعدتْهُ الجغرافيا، وهذا أشقتْهُ.
تُرى كم يلزمنا من وقت لنستوعبَ أن بعض التقاليد والعادات تقتلُ أجمل ما فينا وقد تدمرُ حياتنا ومستقبل أبنائنا؟
“مُجَرَّدُ سُؤال”

” وردة”من المجموعة القصصية:”مجرد سؤال”
الصادرة سنة 2015 والترجمة الى الإسبانية سنة 2018
للكاتبة: رشيدة القدميري

رشيدة القدميري
شاعرة وقاصة
من مواليد مدينة القصر الكبير
صدر لها:
*
_ "ظمأ النهر" / شعر
_"صهيل جراح" /شعر
_"مجرد سؤال" / قصص قصيرة
_"موت بالتقسيط" / قصص قصيرة
_"ذاكرة متجددة" / شعر
_ "موت على رصيف الجحود" / ديوان مشترك
_"الأشجار تتكلم" /قصة للأطفال
_"مجرد سؤال" / طبعة مزدوجة عربية/ إسبانية
_"تأبط سرا" / قصة لليافعين
سجناء بلا تهم/قصص قصيرة

وردة 

وردة 

رشيدة القدميري
شاعرة وقاصة
من مواليد مدينة القصر الكبير
صدر لها:
*
_ "ظمأ النهر" / شعر
_"صهيل جراح" /شعر
_"مجرد سؤال" / قصص قصيرة
_"موت بالتقسيط" / قصص قصيرة
_"ذاكرة متجددة" / شعر
_ "موت على رصيف الجحود" / ديوان مشترك
_"الأشجار تتكلم" /قصة للأطفال
_"مجرد سؤال" / طبعة مزدوجة عربية/ إسبانية
_"تأبط سرا" / قصة لليافعين
سجناء بلا تهم/قصص قصيرة

zaïla.Poésie 

رشيدة القدميري 

zaïla.Poésie 

رشيدة القدميري